ابن حزم
256
رسائل ابن حزم الأندلسي
قبل الله عز وجل ، وهو اليأس إما بموت أو بين أو آفة تزمن ، والمتصبر في هذه معذور . وعني أخبرك أني جبلت على طبيعتين لا يهنأني معهما عيش أبداً ، وغني لأبرم بحياتي باجتماعهما وأود التغيب ( 1 ) من نفسي أحياناً لأفقد ما أنا بسببه من النكد من أجلهما وهما : وفاء لا يشوبه تلون قد استوت فيه الحضرة والمغيب ، والباطن والظاهر ، تولده الألفة التي لم تعزف ( 2 ) بها نفسي عما دربته ، ولا تتطلع إلى عدم من صحبته ، وعزة نفس لا تقر على الضيم ، مهتمة لأقل ما يرد عليها من تغير المعارف ، مؤثرة للموت عليه ؛ فكل واحدة من هاتين السجيتين تدعو إلى نفسها وإني لأجفى فأحتمل ، واستعمل الأناة الطويلة ، والتلوم الذي لا يكاد يطيقه أحد ، فإذا أفرط الأمر وحميت نفسي تصبرت ، وفي القلب ما فيه ، وفي ذلك أقول قطعة منها : [ من البسيط ] لي خلتان أذاقاني الأسى جرعاً . . . ونغصا عيشتي واستهلكا جلدي كلتاهما تطبيني نحو جبلتها . . . كالصيد ينشب بين الذئب والأسد وفاء صدق فما فارقت ذا مقة . . . فزال حزني عليه آخر الأبد وعزة لا يحل الضيم ساحتها . . . صرافة ( 3 ) فيه بالأموال والولد ومما يشبه ما نحن فيه ، وإن كان ليس منه ، ان رجلا من إخواني كنت أحللته من نفسي محلها ، وأسقطت المؤونة بيني وبينه ، وأعددته ذخراً وكنزاً ، وكان كثير السمع من كل قائل ، فدب ذوو النميمة بيني وبينه ، فحاكوا له وأنجح سعيهم عنده ، فانقبض عما كنت أعهده . فتربصت عليه مدة في مثلها أوب الغائب ورضى العاتب ، فلم يزدد إلا انقباضاً فتركته وحاله .
--> ( 1 ) معظم الطبعات : التثبت . ( 2 ) برشيه : تصرف . ( 3 ) بتروف : صرامة .